الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

185

نفحات الولاية

في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها ، جملته أنّه قال : وهذا الكلام بكلام علي عليه السلام أشيه ، وبمذهبه في تصنيف الناس ، وفي الأخبار عما هم عليه من القهر والاذلال ، ومن التقية والخوف ، أليق . قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ومذهب العباد . الدنيا في عين أولياء الله . ما ورد في الخطبة بشأن الأصناف الخمسة في عصر الإمام عليه السلام ( من يقعد به عن طلب الإمرة قلّة ماله ، ومن يطلب الامارة ويفسد في الأرض ، ومن يظهر ناموس الدين ويطلب به الدنيا ، ومن لامال له أصلًا ويطلب الملك ولا يطلب الدنيا ، وأولياء اللَّه الأتقياء الأبرار ) لا يقتصر على عصر الإمام عليه السلام وزمانه ، وهم متواجدون في كافة المجتمعات الماضية والمعاصرة والآتية ، وإنّ كافة المشاكل التي تعاني منها المجتمعات إنّما تنشأ من الأصناف الأربعة المذكورة ، التي سفكت الدماء وأحرقت الأخضر واليابس وجرعت اتباع الحق صنفوف الأذى والعذاب . مع ذلك فان الدنيا لم تف لهم وقد أتت عليهم حتى آخرهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم . أما العبارات التي أوردها الإمام عليه السلام بشأن كل صنف وعلاماته وصفاته جعلت من اليسير التعرف عليهم . ولما كان حبّ الدنيا والتعلق بحطامها هو مصدر الشر والفساد الذي سلكته هذه الأصناف ، فانّ الإمام عليه السلام إختتم خطبته بتصوير حقيقته الدنيا بما يجعل العاقل لا يعيرها أدنى أهمية ، فقد وصفها بادي ذي بدء بأنها اتفه من حثالة القرظ ( وهو ما يسقط من ورق السلم أو ثمر السط يدبغ به ممّا لاخير فيه ولا قيمته له ) ، ثم أشار إلى تقلب حال الدنيا وعدم دوامها وكيف قضت على الماضين وجعلتهم عبرة للآخرين . فقد ورد في حديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مر بجثة حيوان متعفنة ملقاة على الطريق فأومأ إليها قائلًا : أترون هذه هنية على أهلها ؟ فو اللَّه الدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها » ثم واصل صلى الله عليه وآله حديثه عن الدنيا قائلًا : الدنيا دار من لادار له ومال من لامال له ولها يجمع من لاعقل له وشهواتها يطلب من لافهم له وعليها يعادي من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا يقين له » « 1 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار 70 / 122 .